13 March 2011

حتى لا نضيع فرصة أخرى

أعتقد أنه من المرات النادرة التي يوصف فيها خطاب ملكي بالتاريخي من خارج إطار الخطاب الإعلامي الرسمي أو الخطاب السياسي المتملق. والأسباب التي تجعله تاريخيا لا ترتبط فقط بالمضمون وإنما أيضا بالمنهجية والتوقيت والسياق. في رأيي, الملك لم ينظر لحراك الشارع ولشباب 20 فبراير ولا حتى لما يجرى في المحيط الإقليمي, كمصدر تهديد للملكية أو لاستقرار المغرب وإنما كفرصة لتسريع الخطى على طريق تبدو حتمية. لأن منطق الأشياء يقول إن ما رفع من مطالب إصلاحية في 20 فبراير وقبل هذا التاريخ سيتحقق لا مناصة, إلم يكن اليوم فغدا أو بعد غد, وبدل معاندة المنطق والتاريخ, يجب مصادقته. ومن ثم العمل على أن يخرج الإصلاح الشامل (والإصلاح الدستوري مدخله الرئيس) من إطار المطلب أو الحلم إلى فضاء يكون فيه هدفا لكل الفاعلين السياسيين وفي مقدمتهم المؤسسة الملكية.
الموقف المعلن في الخطاب الملكي كان موقفا حصيفا لا يقطع فقط مع المواقف "النموذجية" التي شاهدناها في العالم العربي وإنما أيضا لأنه يضع حدا لحملة التخوين والتشكيك التي شنت على مواطنين مغاربة فقط لأنه رفعوا مطالب إصلاحية من بينها الحد من صلاحيات الملك. هذا يعني أن عاهل البلاد ينصت, وأن علينا أن نسمِعه صوتنا بدل أن نترك الكلمة فقط للمتملقين والمتسلقين ولتقارير الأجهزة الأمنية.
وشخصيا لا أعتبر نفسي معنيا بتذكير بعض الأحزاب والمنابر الإعلامية (بما فيها وسائل الإعلام الرسمية) بمواقفها المشينة من حركة 20 فبراير. لكن عليها اليوم أن تقيس المسافة التي تفصلها عن الواقع السياسي للمغرب وتستخلص الدروس التي تعنيها.
في الشكل, لا أحبذ التوقف عند إشكالية تعيين لجنة التعديلات الدستورية ولا تركيبتها ولا عند توصيف الدستور بالممنوح أو بالديموقراطي. ونقاش الدفوع الشكلية لا يخلو دون أدنى شك من أهمية أكاديمية لكنه في نظري لن يقدم كثيرا في الوقت الراهن, أو على الأقل لن يقدم أكثر من التركيز على مضمون التعديلات نفسها. هذه التعديلات التي هي ملكنا جميعا وليست حقا حصريا للجنة التعديلات الدستورية. ويمكننا الإسهام في صياغتها –أحزابا ونقابات ومجتمعا مدنيا وشخصيات مستقلة- عبر نقاش جدي وصريح. أما ضمانة ترجمة تلك التعديلات فهو حراك الشارع الذي أحيي المطالب الإصلاحية ووضعها على درب جديد. ولذلك أنا أساند استمرار حركة 20 فبراير وإن بصيغة جديدة ومتجددة. الحركة يجب أن تتخلى جزئيا عن صفتها كمطالب بالإصلاح فقط لتحمل يافطة المشاركة في صياغة الإصلاح والرقيب على تطبيق الإصلاح.
وبهذا المنطق, سيكون على الدولة أو المخزن كما على بقية مكونات المجتمع المغربي التخلي عن مقاربة التفاوض للوصول إلى الحل الوسط الذي يرضي جميع الأطراف وتبني مقاربة تشاركية تقوم على تحديد الهدف الأسمى لبلدنا والعمل على الوصول إليه.
في المضمون, الخطاب إيجابي جدا ويفتح أفقا جديدا للعمل السياسي وللمغرب. فتعديل الدستور يعتبر المدخل السليم لأي إصلاح, وبمباشرته اليوم يكون المغرب قد وضع على الطريق الصحيح. ومهملة الشهور الثلاثة التي أعطيت لإنجاز التعديلات, تعني في رأيي أننا مررنا من مرحلة "ربح الوقت" للإبقاء على الوضع القائم إلى مرحلة ربح الوقت لصالح الإصلاح. وبصيغة أخرى تعني أن الملك اختار الانتماء للمستقبل والتحضير له وأنه لم يعد يلقي بالا لدعاة الإبطاء والتأجيل.
وعموما لا يسعنا إلا الاتفاق مع المبادئ العامة التي أعلنها الملك. بقي فقط أن تصدر إشارات –بنفس الإيجابية- بشأن القضايا التي لم ترد في الخطاب, سواء تلك التي لها علاقة ببعض جوانب الدستور أو تلك التي ترتبط بالحكامة (بمفهومها الشامل) وبفصل المقال في ما بين السياسية والاقتصاد من اتصال. لأن الإصلاح الدستوري ليس إلا شقا من عملية شاملة لها أوجه عدة ولأن الدستور نص مهم لكنه رهين بالتطبيق والتفعيل.
ولأنني أميل للحكم على النتائج ولا أحبذ الشك الديكارتي في النوايا, فسأنتظر نتائج اللجنة المكلفة بالتعديلات الدستورية بتفاؤل بل وسأشارك من موقعي كصحفي في إثراء النقاش الدائر حاليا حول التوصيات التي يجب أن ترفع إليها أو من طرفها. لأن قناعتي الخالصة هو أن المغرب لا تعتريه أعراض الصومال أوأفغانستان أو جمهوريات الموز, ولذلك فهو لا يعدم الخيارات المتفائلة (بعيدا عن ثنائيتي : "الوضع القائم أو الإسلاميون" و "الوضع القائم أو الفوضى"). قدرنا أن نصبح بلدا حداثيا وديموقراطيا ومتطورا.. لأننا لا نملك خيارا غير ذلك.. لا نملك أن ظل كما نحن وحيث نحن.. لا نملك أن نقبل بالوضع القائم لأننا جربناه لأكثر من نصف قرن ولم ينلنا منه ما نستحق. والخطاب الملكي خطوة على الطريق يجب استثمارها حتى لا نصبح أمام فرصة ضائعة جديدة.

No comments:

Post a Comment