حملة العلاقات العامة ومهلة السماح..
· هل يتعلق الأمر بحملة علاقات عامة موجهة لجزء من المغاربة "الطيبين" مثلي ولعواصم القرار الغربي الحليفة للرباط؟
· الانتظارات لم تونع في عهد الملك الراحل لأنه هو هو بما له وما عليه وأزهرت في عهد وريث حكمه لأنه هو من هو بما له وبما ليس عليه.
· المغرب بطاقاته الفاعلة والكامنة والمهملة, يستطيع أن يحث الخطى بدل أن يجرها برتابة
قد يختلف المغاربة اليوم على منهجية وعمق الإصلاح, لكنهم مجمعون على ضرورته وعلى عناوينه الرئيسة. نفس العناوين التي جاءت تصريحا أو تلميحا في الخطاب الملكي للتاسع من مارس. وهذا يعني أننا مررنا نظريا من مرحلة المطالبة إلى مرحلة الفعل وهذا تطور كبير في حد ذاته. لكن الإشارات السياسية تأبى إلا أن تكون متضاربة في مغربنا العنيد. فبعد إشارات الإنصات والتجاوب الملكيين, جاءت هراوة الداخلية لتنعش ذاكرة العضلات والعظام برضات كنا نعتقد أننا ضربنا عليها صفحا, أو أنها –من وجهة نظر مخزنية- استنفذت الحاجة إليها في الوقت الراهن.
والواقع أن الإشارات الأمنية العنيفة تستعصي على الفهم السياسي. أي رسالة تحمل وبأي اتجاه؟ لست ممن يحاكمون الضمائر والنوايا ولكنني أكره أن يظهر حسن نيتي على أنه سذاجة سياسية. لم أجد داعيا لأشكك في نوايا الإصلاح الملكية ولا زلت كذلك ولكن القمع الواسع الذي مورس يوم الأحد 13 مارس يدفعني لطرح الأسئلة.
حقوق ملكية الإصلاح..
هل يتعلق الأمر بحملة علاقات عامة موجهة لجزء من المغاربة "الطيبين" مثلي ولعواصم القرار الغربي الحليفة للرباط؟ إذا كان الأمر كذلك, فالحملة ناجحة, وقد رأينا ذلك في فورة التعليقات المرحبة والإيجابية لمغاربة الفايس بوك كما رأيناه في تعليقات واشنطن وباريس وبروكسيل وكلها رحبت بشجاعة الملك وتجاوبه مع مطالب شعبه. ولكن يجب أن نتذكر أن حملات العلاقات العامة –مهما كانت فعالة وناجحة في وقتها- تخبو وتفقد بريقها أمام فعل الزمن والواقع.
هل يتعلق الأمر بتبيان سقف الإصلاح المنشود وبإعلان للمِلكية الحصرية لإطلاق هذا الإصلاح؟ يبدو الأمر كذلك ما دامت شعارات حركة 20 فبراير غير مرغوب فيها ولا يراد لأصواتها أن تعلو على صوت الملك بعد الآن.
قناعتي أن "شبهة" العلاقات العامة وهراوة الأمن لا تهيئان الأرضية للإصلاح, أي إصلاح, وهي ثقة أطراف العملية السياسية: المؤسسة الملكية, الأحزاب والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني وخصوصا شباب العشرين من فبراير. بل إنها تعود لتحيي كل الشكوك التي نحملها للمخزن, عتيقه وجديده, وكل مشاعر القرف تجاه جحافل المتملقين والمداحين المنافقين. كما أنها قد تكون إشارة إلى العودة إلى سياسة استهلكت مقوماتها وهي سياسة ربح الوقت للإبقاء على الوضع القائم وتطبيق ما يشبه الإصلاح بدل الإصلاح.
وهذه السياسة استهلكت مقوماتها ليس فقط بفعل الحراك العربي وإنما أساسا لأن ما أسميه "فترة السماح" التي منحت للعهد الجديد انتهت أو أوشكت على ذلك.
فترة السماح انتهت..
لا يكفي عبق الياسمين التونسي لتفسير الصحوة المدنية في المغرب ولا مياه ثورة النيل لتروي أحلام المطالبين بالإصلاح, لكنها أعطابنا المغربية المزمنة التي تحتاج الدواء الآن تفاديا للاستئصال مستقبلا. للعوامل الإقليمية دورها.. لكنه دور منبه وليس ملهما. فمطالب حركة 20 فبراير ليست وليدة الأمس, بل وضعت على الساحة العامة منذ عقود وكان وهجها يخبو أو يشع حسب الظرف السياسي الذي كان يمر به المغرب في عهد الحسن الثاني. وقد دخلت هذه المطالب مرحلة كمون مع تولي الملك محمد السادس الحكم وتوارت خلفت أولوية مرحلية هي تسهيل الانتقال السياسي (وليس الديموقراطي) بين عهدين ينوءان كلاهما بأحمال ثقيلة: أحدهما بحمل عقود من حكم الفرد والفقر والأمية وانتهاكات حقوق الإنسان ووو, والثاني الجديد بحمل هذه التركة..
كان الأمر إذن أشبه بفترة سماح لإعادة ترتيب البيت في هدوء. وكانت كل المؤشرات مشجعة. "هو هو وأنا أنا" كان شعار قطيعة معلنة ضمنا وانتظرها الكثيرون بتفاؤل كبير. وتغذى هذا التفاؤل من إشارات أخرى كثيرة في الخطاب ولكن كذلك في الفعل, ويكفي أن نتذكر هنا مثلا واحدا هو جلسات الإنصاف والمصالحة التي فتحت صفحات سنوات الرصاص وقرأت مضامينها في تجربة قل نظيرها في العالم..
في فترة السماح غير المعلنة تلك, نمت انتظارات كبيرة كان الكل يعتقد أن الفاصل بينها وبين تحقيقها ليس إلا فترة قصيرة لازمة لترسيخ أقدام الحكم الجديد. انتظارات لم تونع في عهد الملك الراحل لأنه هو هو بما له وما عليه وأزهرت في عهد وريث حكمه لأنه هو من هو بما له وبما ليس عليه.
أعراض مغربية..
لكن الوقت الذي منح بسخاء وطيبة وبحكمة سياسية وليس تفضلا, أصبح مقبرة لإصلاحات كان يجب أن تقر بمنطق العدالة والتاريخ وليس تفضلا كذلك. الوقت أصبح لعبة في أيدي مخزن جديد, يطوعها لصالحه. لكن للوقت عقارب تدور, وقد دارت لتصبح اليوم ضد المخزن وقد كان في غنى عن ذلك. والسبب قراءة قاصرة للمستقبل. لأن منطق الأشياء يقول إن ما يرفع اليوم من مطالب سيتحقق لا مناصة, إلم يكن اليوم أو غدا, فبعد غد. حتى المشككون في مطالب الإصلاح وفي دعاتها يعرفون الأمر وإن كانوا يعاندون. يعرفون أن المغرب سيصبح, ولو بعد سنين, ملكية ديموقراطية (دستورية حقة أو برلمانية, لايهم), قائمة على المؤسسات لا الأفراد, للشعب فيها الكلمة العليا يقولها عبر صناديق الاقتراع ويفرز من خلالها مؤسسات تمثله وتخضع لمحاسبته.. سيكون المغرب لكل مواطنيه لا لفئة متنفذه, وستكون ثمار تنميته لبُناته لا لطفيليات الريع.. سيكون بلدا ديموقراطيا بكل ما للديموقراطية من آفاق رحبة وبكل ما يكتنفها من نواقص. هذا منطق الأشياء, وإن كان هذا حلما فعليه الآن أن يصبح هدفا. لأن المغرب الذي كون لنفسه هوية سياسية وحضارية فريدة في محيطه العربي والإفريقي لا يمكن أن يتخلى اليوم عن هذه الفرادة (حتى لا أستعمل كلمة الخصوصية لأنها كلمة حق يريد بها البعض باطلا). لأن المغرب بطاقاته الفاعلة والكامنة والمهملة, يستطيع أن يحث الخطى بدل أن يجرها برتابة. ولأن المغرب -كما قلت في مقالة سابقة- لا تعتريه أعراض الصومال أوأفغانستان أو جهوريات الموز, فهو لا يعدم الخيارات المتفائلة بعيدا عن الثنائيات التي يقدمها له البعض: إما الوضع القائم أو الإسلاميون, إما الوضع القائم أو الفوضى. خيارنا وقدرنا أن نصبح بلدا حداثيا وديموقراطيا ومتطورا.. لأننا لا نملك أن نكون غير ذلك.. لا نملك أن ظل كما نحن وحيث نحن.. لا نملك أن نقبل بالوضع القائم لأننا جربناه لأكثر من نصف قرن ولم ينلنا منه ما نستحق.
مهلة السماح انتهت ولا يبدو أنها قابلة للتمديد كثيرا. وحان الوقت للتحضير للمستقبل والعمل له بدل العمل على إبطائه أو تأجيله.
دبي 13 مارس 2011

No comments:
Post a Comment